12‏/12‏/2017

متلازمة الطير الأبابيل

اضطراب نفسي تعيشه شعوبنا المسلمة، قد يكون تعبيرا عن فرط نرجسية كامنة فينا ناتجة عن اعتقاد خاطئ أننا أبناء الله وأحباؤه، ولسنا مجرد بشر ممن خلق.

هذا الاضطراب يجعل مخدر الأمل بالنصر والتأييد الإلهي، يشل أي حركة لنا على طريق النصر الحقيقي.

دائما نعلل تركنا للعمل المتعب الذي لا بد منه في بذل الوسع في التخطيط والإعداد بأننا أصحاب إيمان عالٍ، لا يلزمنا مع هذا الإيمان عمل وإعداد، ولا يضرنا كيد عدو أو قوته.

فلا بد أن تأتينا الطير الأبابيل لتنهي مهمة القضاء على الأعداء، ثم نتحرك نحن “على رواء” لنقوم بواجب إعمار الأرض وإنقاذ البشرية.

والعجيب أنَّ الطير الأبابيل لم تأتِ إلى الآن رغم كل ما مرت به الأمة من مصائب ونكبات.

فحين دخل القرامطة الباطنيون بيت الله الحرام في مكة، في مثل هذه الأيام الفضيلة من شهر ذي الحجة، وقاموا بذبح ثلاثين ألفا من الحجاج، ورموا جثثهم في بئر زمزم، ثم قلعوا الحجر الأسود وأخذوه معهم لبلادهم وبقي عندهم 22 سنة، في زحمة كل هذه المآسي لم يرَ أحد أي أثر لأي طير أبابيل، بل حتى لم تنزل صواعق على القرامطة، ولم تخسف بهم الأرض، ولا أهلكتهم صيحة عذاب من السماء، بل انتهوا تاريخيا بشكل اعتيادي مكرور، كما تنتهي أي دعوة أو دولة، استكملت سنن السقوط الكونية التي لا تحابي لا مسلما ولا كافر.

وفي ذروة مجازر الأعداء ضد الأمة من الغزو التتاري، مرورا بالحملات الصليبية القديمة والحديثة، إلى مجازر الطغاة المعاصرة ضد شعوب الأمة، سجل غياب ملفت للنظر للطير الأبابيل، ولصيحات العذاب السماوية، وللزلازل والأعاصير المهلكة للظلمة، والناصرة للمستضعفين.

وفي الوقت نفسه سجلت انعطافات تاريخية مهمة، رجحت الكفة لصالح من أخذ بالأسباب دون أن ينتظر قدوم الطير الأبابيل وسقوط الشهب المحرقة، والنيازك المدمرة، كانت هذه الانعطافات حصيلة سنوات طوال من العرق والدموع والدماء والتضحيات والعمل الدؤوب، ترجمت بأسماء وقائع كبدر وحطين وعين جالوت وتحرير أفغانستان والشيشان وقطاع غزة، وثورات لاهبة شوهت أوجه الظالمين، وقطعت أيديهم بسياطها.

هل نفهم من الكلام السابق إنكار الطير الأبابيل وقدرة الله على نصر عباده إن أراد؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال دعونا نصحح بعضا من المفاهيم؛ فقد أخطأ من توهم أنَّ العرب في الجاهلية تركوا الطريق مفتوحا لأبرهة ليهدم رمز ديانتهم، الكعبة المشرفة.

بل إنَّ العرب قاتلوا أبرهة تحت قيادة ذو نفر، ونفيل بن حبيب الخثعمي حتى كادت أن تفنى، حينها تيقنوا أنَّ الله سيتدخل لإنقاذ بيته بعد بذلهم طاقتهم وعجزهم عن فعل الأكثر.

في قصة طوفان نوح عليه الصلاة والسلام، بعد أن نعرف أنه قضى 950 عام يدعو قومه للإيمان متبعا مختلف السبل، وكانت المحصلة أن ما آمن معه إلا قليل، نفهم كيف أتى نصر الله لنبيه نوح صلى الله عليه وسلم، وإغراق الكافرين بالطوفان.

وفي الخندق بعد أن تحزبت الأحزاب على المسلمين، وتعاهدوا على اجتثاث دولتهم الوليدة، لم تأتِ الرياح والبرد والخوف والجنود التي لم يروها، إلا بعد الخطة العسكرية الإبداعية في حفر الخندق، وما صحبها من تكتيكات أهمها التحام القيادة بالشعب وعيشها معاناته ( كشف النبي صلى الله عليه وسلم عن حجرين على بطنه وهو يحفر الخندق بيديه مع أصحابه )، وأيضا التخطيط السياسي المتقن لرفع الروح المعنوية للشعب، ومحاولة تحييد الأعداء بإعطائهم بعض المصالح المادية، ثم يأتي الجهد الاستخباراتي والحرب النفسية لتمزيق صف العدو، مع استمرار عمليات رصد العدو، ورفع الجاهزية لصده، بعد هذا كله أتت الرياح والجنود التي لا ترى لتطفئ نيرانهم، وتكفئ قدورهم، وتدب الرعب في قلوبهم.

وبالعودة للسؤال المطروح سابقا، فلا ننكر الطير الأبابيل، ولا العذاب الإلهي الذي يأتي لينقذ المستضعفين، لكننا ننكر انتصار من استطاب الكسل، واستعذب البلادة، ثم تمنى على الله الأماني.

في ” متلازمة الطير الأبابيل ” يستوي العلماني والإسلامي، فالعلماني يعول على الأشكال المادية للطير الأبابيل، كتدخل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، وتركيا، وروسيا، واتفاقات خفض التصعيد، وجنيف بنسخها، وأستانا بأجزائها، ويخال أن التأييد سيأتيه منها جاريا نضاخا لا ممنوعا ولا مقطوعا.

والإسلامي يميل للأشكال الخوارقية للطير الأبابيل، كظنه أنَّه بالاندماجات الغوغائية، والاعتصامات العاطفية، وتطبيق ما يظنه واهما شرع الله، سينزل علينا نصر الله وتمكينه مدرارا كإعصار هارفي الذي يضرب تكساس.

والطرفان يتناسيان قصدا الواجب الثقيل في الإعداد، ويغضان بصريهما تعمدا عن طريق الآلام الطويل المتعب والموصل بنهايته للنصر.

فلو أمسكنا تاريخ كل أمة قوية، وكل دولة ذات شأن، من زمن آدم عليه الصلاة والسلام، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، لن نجد أن هذه الحضارات والإمبراطوريات قامت على أكتاف الحالمين المتواكلين، ولا المنظرين الورديين، ولن نجد أثرا لك

جاد الحق

هناك تعليق واحد: