11‏/11‏/2018

ماهي أسباب اختلافات الفصائل في الثورة السورية؟

الاختلاف هو المحرك الأول للبشر في مجالات الإبداع والحضارة، فلو اتفقنا في كل شيء لتجمد إنتاجنا عند سقف معين ولأصبحت الحياة بعدها نسخة رتيبة متكررة من بعضها.

ثم تأتي الحقيقة التي لا مفرّ منها إلا بالتسليم لها، وهي أن الاختلاف بين البشر سنّة كونية لا ترتفع، ولا تنتهي، حتى فناء الدنيا، واقرأ إن شئت قول الله في القرآن: " ولا يزالون مختلفين ".

هناك خمس أنواع للخلافات الشائعة متعارف عليها عالميا:

1) أسباب شخصية:
تحكمها العواطف والمطامع والظروف الخاصة، والبيئة المحيطة، والتجارب الماضية لكل شخص.

2) القناعات:
كل شخص لديه مجموعة من الدوافع والقيم تكوّن له قناعات وأساسيات ينطلق منها في الحياة، ويصنع منها لنفسه أهدافا وخططا، تباين القناعات سيؤدي لتعارض الخطط والأهداف بين البشر، وبالتالي حصول الاختلافات.

3) سوء المعلومات:
سواءا كان ذلك بتلقيها من مصدرها، كأن تكون غير صحيحة، أو بمعالجتها بعد التلقي، كالفهم الخاطئ القائم على افتراضات مسبقة للتفسير.

4) تداخل الصلاحيات:
عدم تحديد واجبات وحقوق كل فرد بشكل واضح يؤدي لحصول حالة من التعدي بين الناس على بعضهم، وكل طرف يظن نفسه صاحب الحق ويقوم بواجبه، أو يطالب بما يستحقه، وهنا يظهر الاختلاف.

5) البيئة الضاغطة:
الظروف الخارجية، والأشخاص الذين هم بعيدون عن المشهد اليومي بإمكانهم التأثير علينا بما يهزّ استقرارنا النفسي، وسلامنا الداخلي، فيصنعون لنا حالة من التوتر، تعبر عن نفسها بخلق مشاكل واختلافات مع الآخرين.

ما علاقة الكلام السابق بالثورة السورية؟

لو أسقطنا ما سبق من تحليل لأسباب الخلافات على خلافات الفصائل السورية لوجدنا التالي:

بإمكاننا استبعاد سبب اختلاف القناعات، لأن الاختلاف الأيديولوجي تمايز عن بعضه من زمن، كداعش وقسد، وما تبقى اليوم من فصائل إلى حد ما تشبه بعضها بشكل كبير من جهة الأهداف والوسائل، فالكل يعلم السقف الذي لن يسمح له المجتمع الدولي بتجاوزه، والكل يسعى  لذلك السقف بالطرق نفسها من التفاوض مع الدول، وتقديم التنازلات مقابل تحصيل المكتسبات، مثل ما يسمى هيئة تحرير الشام.

فبعيدا عن الخطاب الديني الإعلامي الموجه للعناصر كدافع لهم لتنفيذ الخطط المتفق عليها مع الدول، ستجد أنها طبقت على الأرض كل الاتفاقات الدولية بحذافيرها، والتزمت بحرفيتها، وإن كان ما يبثه إعلامها خلاف ذلك.

فالمحصلة جميع ما تبقى من فصائل حفظت الدرس جيدا، وكل منها يطبقه حسب مقدرته العقلية، والتنفيذية على الأرض.

بإمكاننا أيضا استبعاد سوء المعلومات، لأن كل الفصائل تعرف بعضها بشكل أكثر من جيد، نظرا لتجاورها الجغرافي، ولقدم التعامل بينها، ولأن قياداتها من أول الثورة للآن ما تغيروا، يعني الكل حفظ الكل وفهمه جيدا ويعرف بشكل ممتاز طريقة تفكيره مما يؤهله للتنبؤ المسبق بردات الفعل والتصرفات للطرف الآخر.

يبقى لدينا من أسباب الخلافات:

الأسباب الشخصية، تداخل الصلاحيات، البيئة الضاغطة.

*) الأسباب الشخصية:

عمل البعث طوال أكثر من خمسين عاما من اغتصابه السلطة على القضاء على أي نوع من العمل الجماعي في سوريا، وكرّس في عقليتنا نظرية الأب القائد الرمز الواحد الذي لا يُرجع القول لديه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولن تستطيع الثورة أن تغسل ببضع أشهر وسنوات، ما تم تغذيته لعقولنا ووعينا عشرات السنين، وهذا ما أدى لتضخم الأنا عند البعض من المهمشين اجتماعيا قبل الثورة، ثم فجأة وجدوا أنفسهم يستلمون السلطة التي طالما اشتهوها بعطش شديد!

ولذلك نفهم مشكلة عض القادات بالأنياب والنواجذ على المناصب، وعدم اجتماعهم على مشروع واحد، أو رمز جامع، ولا تُحَل هذه المعضلة إلا بإقصاء حقيقي لأصحاب الأنا المتضخمة.

*) تداخل الصلاحيات:

المنطق يقول أن كل شخص أو مؤسسة أو فصيل له اختصاصه، وقد علم كل أناس مشربهم، لذلك يفترض كثورة أن نسير بمجموع الجهود ( حالة مثالية ) أما الحقيقة أننا بسبب التداخل والفوضى نسير بفرق الجهود ( حالة واقعية ).

في الحالة المثالية نحتاج للجميع تحت مظلّة واحدة من الأهداف والقيادة، حينها نجد أن الجيش الحر سيأخذ دور المؤسسة الشرعية  على الأرض والتي تمثل الجزء المسلح من الثورة، بينما مثلا السلفية الجهادية  ستكون الباب الخلفي للتفاوض مع الدول عبر الضغط عليها بالتهديد بورقة الإرهاب والأسلمة والجهاد العالمي ( وهذا أساسا ما تفعله الأنظمة السياسية مع بعضها أو مع شعوبها ).

طبعا كلامنا السابق عن الحالة المثالية، أما في حالة الفوضى الواقعية وتداخل الصلاحيات، في ظل ادعاء الشرعية من كل طرف، مقابل سلبها من الآخر، فلا شك أن الصراع والاختلاف سيكون سيد الموقف، إذن الحل هو بالمشروع الجامع، والقيادة الموحدة التي تحدد صلاحيات الجميع.


*) البيئة الضاغطة:

تضغط المخابرات الدولية على فصائل الجيش الحر عبر الدعم، وأيضا تضغط المخابرات على الفصائل المؤدلجة عبر المنظرين والإعلام الموجه لقواعد هذه الفصائل.

هذا الضغط الخارجي يولّد احتقانا عند الجهة المستَهدَفة تفرغه باختلاق المشكلة مع الطرف المقابل كنوع من الهروب للأمام، لذلك بناء المرجعيات الداخلية والتمويل الذاتي سيحمينا من مشاكل البيئة الخارجية الضاغطة.

الثورات لحظات فارقة بتاريخ الشعوب، وهي أشبه باللقاح الذاتي للشعب ضد هجمات فيروسات وجراثيم طاعون الاستبداد، وكلنا نعرف أن للقاح أعراضا جانبية تشبه في بعضها أعراض المرض لكنها أخف، ثم سرعان ما ينهض الجسم بمناعة أقوى من قبل، ولذلك ما نراه من أخطاء ومشاكل في الثورة هو أمر طبيعي _ رغم قسوته _ وأهون بكثر من ضريبة البقاء تحت نير الاحتلال الأسدي.


جاد الحق