30‏/08‏/2019

تركيا الخصم والحكم



لو مد الله في عمري سأكتب كتابا أسميه #أساطير_ثورية وسأضع فيه أهم الأوهام التي صدقها ثوار سوريا وانساقوا خلفها، ولعلي أستفتحه بأسطورتي #تركيا_ما_بتبيعنا و #الضمانات_الدولية.

لست من معارضي ومكفري أردوغان، ولا من مناهضي العدالة والتنمية، لكني ببساطة أرى أردوغان وتركيا بمنظور واقعي يوصّف تنوعها وحجمها.

تركيا اليوم ليست دولة الخلافة الإسلامية، بل هي دولة علمانية قومية لمّا تتحرر بعد من نير النظام الدولي المجرم، واتفاقياته المجحفة، رغم أنها تسعى لذلك وبقوة، وأردوغان ليس المهدي المنتظر، ولا أمير المؤمنين الفاروق، بل هو رئيس مسلم أثبت نجاحه لذلك تحيط به المخاطر من كل حدب وصوب.

وحين أقرأ الدعم التركي للثورة لا أقرأه بأنه لدوافع أخلاقية ودينية فقط، بل لدوافع أخرى أهمها المصلحة المشتركة، والمصلحة تخضع للتغير والتبدل، وبالتالي تفرض تبدل الحلفاء والخصوم، فالتعويل على دوام الشراكة هو محض سذاجة وجهل بأبجديات السياسة.

الأنظمة المتصارعة تلجأ لخلق واحتضان أدوات ضغط على بعضها، والغاية منها ليس إسقاط النظام الآخر، بل إجباره تقديم تنازلات توصل الطرفين لحل وسط، وحين يصل الطرفان لحل وسط سرعان ما يتم التخلص من هذه الأدوات من قبل من أسسها ورعاها، أو تسليمها للغريم حتى يحطمها بنفسه، فالدول لا تختار الأدوات على الأنظمة، كنوع من احترام الزمالة والمهنة المشتركة، فحتى في سياسات الدول من تعرفه أفضل ممن تتعرف عليه، والعشرة لا تهون إلا على أولاد الحرام.

حزب ال pkk مثال معاصر حين تخلت عنه أميركا وروسيا لصالح تركيا، رغم ما تأمله ال pkk من ضمانات أقوى دولتين حول العالم، وكانت ساحة التفاوض والمساومة هي #سوريا ، ولا يدل كلامي أن تركيا خانتنا حين ساومت علينا كما يتشدق البعض، بل يدل أننا فشلنا في الارتقاء بأنفسنا من رتبة التابع المأجور، لمنزلة الند البديل لنظام الأسد، والدول لا تراهن على حصان خاسر.

بالعودة للداخل السوري كشمال حلب نجد حالة ممنهجة من الإفساد غايته معالجة الناس بالصدمة لإقناعهم أن المصالحة مع النظام هي طريق النجاة، ومن سيتولى كبرها أناس يُحسَبون على الثورة والجيش الحر لكن ماضيهم وواقعهم مكشوف للكل، هؤلاء سيحاربون بقايا الثوار بعد تشويه سمعتهم، ثم سيبررون خيانتهم عبر شراذم من المرقعين والمطبلين بالواقعية السياسية، والمناورات الديبلوماسية، والاتفاقات الدولية، وضمانات الحلفاء، ولأجل من تبقى، وحتى نعمر البلد من جديد، والناس تعبت وبدها حل، وهاد أفضل السيء، ولم يكن بالإمكان أفضل مما كان، وأكتر من هيك ما طالع بالإيد، وسياسة شرعية... إلخ هذه الحجج الواهية التي غايتها تزيين الخيانة وتبريرها.

بالمقابل غالبية كوادرنا الموجودة في تركيا، لا ترى إلا من منظارها، دافعهم الغير مباشر لذلك هو شعورهم نحوها بالامتنان لاحتوائهم، إضافة لحالة الهزيمة الحضارية النفسية التي يحسونها أمام التطور المادي لتركيا مقارنة بسوريا.

وجود هذا الصنف شكل عائقا للتفاهم الصحيح بين الثورة وتركيا، خاصة أنهم يتصدرون المشهد عند المغنم، ويهربون عند المغرم، لذلك نحتاج فعلا لقيادات وكوادر شبابية جديدة أثبتوا حضورهم في المغنم والمغرم على السواء.

أولئك المنهزمون حضاريا أمام تركيا وجهة نظرهم تتلخص بأن الخضوع لتركيا أفضل من الخضوع لروسيا وإيران والنظام، ثم يقولون لك "أرعى جمال أردوغان ولا خنازير بشار"!!
( طيب ما في مجال تكونو محترمين وعندكم كيانكم الخاص المحترم وما ترعو دواب حدا؟
يعني ضروري تصيرو رعيان عند شي حدا!!؟؟ )

يذكرني هؤلاء بالمؤيدين حين كانوا يقولون لنا أول الثورة "إذا راح بشار مين بده يحكمنا !؟"

يعتبرون أي نقد لتركيا خيانة وتآمر عليها ويبررون ذلك بأن حساسية المرحلة لا تسمح وكثرة أعداء تركيا لأنها تبنت الإسلام، ومصلحتنا تقتضي السكوت عن كثير من الأخطاء... إلخ هذا الكلام المثير للغيظ المُسوَّق من باب الحرص على مصلحة تركيا، مع اعتبار أي انتقاد لأردوغان أو السياسة التركية يخدم أعداء الأمة... هذا الانبطاح الغبي يضر تركيا أكثر من أي انتقاد، لأنه يصورها دولة بعثية مخابراتية كسوريا الأسد ( يا أخي والله تركيا فيها معارضة لأردوغان وما حدا بيتهمن بالخيانة والعمالة، وحتى في إسلاميين معارضين لأردوغان ومو من جماعة كولن، فيستر عرضكن اطلعو من جو سوريا الأسد!. )

بنفس الوقت هناك شريحة تعتبر تركيا دولة احتلال، هؤلاء أنصحهم بزيارة مشفى الأمراض العقلية للتعالج من متلازمة التربية القومية الخاصة بالبعث، أو تخريصات الدواعش، أو سموم صهاينة العرب، مع رجائنا لهم بالشفاء العاجل.

ويبقى العقلاء المعتدلون مغيبون قسريا عن المشهد.

ألا يكفينا ما مر بنا بسبب تحكيمنا لعواطفنا، وإحساننا الظن بمن يستحق ولا يستحق، فلنفكر بمصلحية _كحال حلفائنا وخصومنا على السواء_ ولنجعل مصلحة الثورة هي البوصلة للتحرك والموازنة والقياس.

معتز ناصر ( جاد الحق )


26‏/06‏/2019

العشائرية والمناطقية، صمام أمان أم فتيل أزمات؟؟



في الثورة يتجرد الإنسان من انانيته، ويخلع _ ولو مؤقتا _ مصلحته الذاتية لغاية كيان أوسع هو الجمع الثائر، أو الشعب، أو القضية، أو البلد، وأخطر ما يهدد الثورات هي الدعوات التي تمثل خطوة للوراء، أي تضييق الانتماء، وعلى مستوى أغلب دول الربيع العربي تكاد تكون العشائرية والمناطقية هي ذبّاحة الثورات.

كثيرا ما يستخدم أعداء تحرر الشعوب دعوات العنصرية الجاهلية المقيتة عبر ورقتي العشائرية والمناطقية في تمزيق الجمع الواحد الذي أفرزه التفاف الشعب حول قضية عادلة، سواء كانت عقائدية أو مجتمعية.

في مجتمعنا السوري لو نظرنا لبيئة تحوي سكان أصليين، مع مهجرين، قد نجد نوعا من خطاب كراهية أو عنصرية وبنسب متفاوتة حسب كل منطقة.

الشخص العنصري من أهل المنطقة يرى المهجر هو منبع كل فساد مجتمعي، وسبب كل مشكلة ( سرقة / دعارة / تسول / إساآت ....إلخ )

ومقابله من المهجرين يرى المضيف هو رمز كل شر، وأصل كل سوء ( دواعش / شبيحة / مستغلون / جشعون / منافقون / بعيدون عن التحضر.... إلخ )

وبين هاتين الثنائيتين تتحول أصغر مشكلة سطحية جدا في الحالات الطبيعية إلى صراع مسلح ضمن المدينة يسقط فيه قتلى وجرحى وتسير لحسمه الأرتال العسكرية!!!

وفي هذه الظروف _ ظروف الحرب والفلتان والتهجير _ يعود الإنسان في لا وعيه إلى حالته البدائية الأولى، فكما يقول متخصصو علم الاجتماع أن التجمعات البشرية ابتداء من الأسرة فالقبيلة حتى الإمبراطوريات، ما هي إلا حالة تكتل بشري باعثها الخوف من الآخر، والذي على أساسه يتجمع أبناء هذا التكتل وتجمعهم عصبيته التي تمكنهم من مدافعة غيرهم من التكتلات والعصبيات لحماية أنفسهم.

وهذا يفسر سبب نشاط حركات التجميع العسكرية منها والمدنية القائمة على الأساس العشائري، أو المناطقي، ولو أردنا حصر وإحصاء التجمعات العشائرية والعائلية والمناطقية في الثورة لاحتجنا وقتا طويلا، خاصة لو أدركنا أن مصير هذه التجمعات التفسخ والانشقاق على بعضها، أو تحولها لأجسام ميتة سريريا، لأنها ولدت بدافع عاطفي سرعان ما يتبدل أو ينتهي، ولا تملك رؤية لتطوير ذاتها، أو مرونة تمكنها احتواء غيرها، أو مواءمة التغيرات من حولها.

أحد الدارسين لعلم الاجتماع قال لي يوما أن أهم صفة لهذه التجمعات ( المناطقية والعشائرية ) هي "العلمانية" لأنها تقدم رابطة الانتماء العشائري والمناطقي المصلحي على الرابط الأيديولوجي والمصلحة الدينية العامة، وهذا ما يشرح اختيار نسبة ضخمة جدا من العشائر والقرى الحياد في الصراعات الفصائلية، والأيديولوجية في الساحة السورية مثلا.

ويفسر أيضا انحياز هذه التكتلات لاحقا للقوي الذي يحسم المعركة لصالحه بغض النظر إن كان صاحب حق أو لا، فمثلا نجد المناطق العشائرية كانت مع النظام حين كان مسيطرا، ثم مع الثوار، ثم مع الدواعش، ثم مع قسد، ثم سيعودون للثوار أو للنظام، وهكذا....

تبرع جدا الأنظمة القمعية العربية في توظيف هذه التكتلات لمصلحتها، لأنها هي من أنشأها وشجعها، وهي تعرف كيف تضغط على أزرار حساسيتها وتستقطبها، وكمثال على ذلك حين حصل حراك شعبي في الأردن ضد الملك منذ بضعة سنوات استعانت السلطة بأبناء العشائر الأردنية للتشبيح ضد المحتجين، بذريعة أنهم فلسطينيون يريدون طمس الهوية الأردنية للدولة!!
ومن خَبِرَ الأردن يعرف الانقسام المجتمعي بين فلسطيني وأردني ودور السلطة في تغذيته.

في العراق استغلت أميركا القاعدة وأخطاءها، لتخلق مشروع الصحوات المعتمد على العشائرية، والذي مولته السعودية، ووظفته أميركا لمحاربة المقاومة العراقية بذريعة حرب الإرهاب والقاعدة.

في السودان ذراع الدولة العسكرية العميقة ضد الثوار في فض اعتصامهم كان قوات الدعم السريع، وهي أساسا ميليشيات قبلية من قبائل دارفور العربية، أنشأها البشير لإبادة سكان إقليم دارفور الأفارقة بحجة دعم المتمردين على الدولة، وارتكبت هذه الميليشيات من الجرائم ما لا يحصى ولا يعد، ودافعها بذلك العنصرية المحضة، وتسمى في السودان "الجنجويد".

في اليمن وليبيا ساهمت العشائرية والعصبية القبلية والمناطقية في عرقلة مسيرة الثورة، وتضييع عديد الفرص على الشعب.

في سوريا كانت المناطقية والعشائرية حصان طروادة الذي استخدمه النظام في تحييد المناطق عن بعضها، لعزل الثائرة منها عن محيطها، بغية إسقاطها لاحقا ( ريف دمشق، ودرعا أمثلة واضحة جدا ).

في ريف حلب الشمالي المحرر أصبحت المناطقية والعشائرية خطرا يهدد السلم الأهلي، فكل مجرم هناك فصيل محلي، أو عشيرة، أو عائلة، تحويه وتحميه من القانون والقصاص، بل وتوظفه في صراعاتها المصلحية مع الكيانات المنافسة، وصارت الروابط الفصائلية والمناطقية والعشائرية هي الرابطة الأولى والوحيدة، في ظل غياب أي مشروع وطني أو ديني أو سياسي جامع.

كنت أفضل الحديث عن الموضوع بمنظور آخر أقل حدة وجدية، أسرد فيه الأبيات الشعرية، والقصص والأمثال الشعبية، الراسخة في وجداننا الجمعي، والتي تعتبر خزانا مغذيا لهذه العقلية، وكيف تميز بها العرب، ثم أتى الإسلام ليشذبها ويضعها بمكانها الصحيح، لكن للأسف تصاعد خطاب الكراهية والتفرقة بما يهدد الثورة وأهدافها منعني من ذلك، فأي ساكن في المناطق المحررة يدرك هذه المشكلة تماما ويعي خطورتها، لكنه عاجز عن حلها، خاصة إذا كان هو جزء منها حتى دون أن يدري!!!

نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى لعصبية أيديولوجية ثورية ( ضمن تعريف ابن خلدون للعصبية ) تبني كتلة صلبة تسهم في صياغة وتمكين مشروع ثوري جامع تذوب فيه الفوارق، ويتوحد فيه الناس لتحقيق أهداف الثورة.

جاد الحق


25‏/02‏/2019

المرض النفسي الذي تفرد به العرب

دائماً ما كنت أعجب من نذير الشؤم الذي نحمله بداخلنا، (بُومنا) الكامن إن صح التعبير، ولتقريب الفكرة أكثر تذكر كم مرة جمعك مجلس فكاهة لذيذ محبب للنفس ضحكت فيه حتى نسيت همك، ليقطع أحدهم مرح الجلسة قائلا: “الله يعطينا خير هالضحك”؟! وكأن الله، وحاشاه عن ذلك، كتب في اللوح المحفوظ أن عاقبة كل ضحك هي مصيبة تبكيك من حرها!

عادة ما تكون السعادة مدار البحث والتنقيب في حياة الإنسان، لكن الإنسان العربي لا يدخل ضمن هذا التعميم، بل هو استثناء القاعدة الذي أعجز الفلاسفة والعلماء، فوحده الإنسان العربي من يفتش عن الحزن ليعيشه، وإذا لم يجد الحزن يتفنن بصنعه بنفسه.

اكتب في مستطيل البحث باليوتيوب كلمة الأغنية وستجد اليوتيوب سيكمل لك بالتالي: الأغنية التي أبكت الملايين، الأغنية التي ستجعلك تبكي رغمًا عنك، …. إلخ، ولو اخترت في البحث هذه الخيارات ستصدم من حجم المشاهدات والتفاعل على هذه المقاطع!

بعيداً عن نظرية المؤامرة، لكن يبدو أن اليوتيوب قد فهم تماماً المزاج العربي.

مرة قررت أن أقوم بتجربة ميدانية ضمن دائرة معارفي، سألتهم ماذا تفعلون صباحاً حين تستيقظون؟ ولماذا تفعلون ذلك؟

على السؤال الأول تنوعت الإجابات بين شرب القهوة وسماع فيروز والتدخين، على السؤال الثاني اتفقت الإجابات على تعليل التصرفات بعبارة “حتى أروّق”!

كأنَّ الأصل أن يقوم الإنسان من نومه منزعجاً مكتئباً بعد شجارات منامية، أو أشغال حُلُمية شاقة!

هذا التساؤل العجيب بقي يدور بذهني حتى وجدت له جواباً شافياً عند العبقري الراحل (أحمد خالد توفيق) حيث أتى الجواب في قصته أسطورة (الجاثوم) على لسان بطل سلسلته ما وراء الطبيعة الدكتور رفعت إسماعيل: “لماذا فَقَدَته؟ لم تعد تذكر الآن.. لقد كان يحبها بجنون.. لكن (إرادة النكد) حق لا ريب فيه مثل (إرادة الفشل) و (إرادة الموت) هي الشيء السحري الذي يدفع المرء لإفساد سعادته حين يكون سعيدًا.. ويدفع محبين متفاهمين إلى الشجار دون سبب أو لسبب لا يذكر.”

نعم إنها إرادة النكد، مصطلح أكثر من بليغ يوصّف ذاك الشخص الذي نحبسه بين أضلاعنا وقد نصطلح على تسميته الصوت الداخلي، أو الشخصية، أو الضمير، فهذه الكينونة التي نحويها تؤنبنا دوماً في أي لحظة فرح، وتستغلها لإفساد مزاجنا وسعادتنا بالإيحاء لنا أن هذه السعادة نذير الشؤم القادم، والهدوء الذي يسبق عواصف المصائب، لكن ما سبب هذه الظاهرة؟؟

السبب الرئيس هو حالة الكبت والاختناقات التي تعانيها شعوبنا، أزمات إثر أزمات يقاسيها المواطن العربي حتى ثبت في اللاوعي عنده أن السعادة لذة محرمة عليه، فإن نالها قدرا فعليه التبرؤ منها والتوبة لله واستغفاره عمَّا أجرم.

حتى ذاكرتنا الشخصية تقف ضدنا إن أردنا استرجاع لحظات جميلة عشناها، فتقدم لنا ذكريات سوداء وتقنعنا أنها جميلة، مثل حين أجتمع مع أصدقائي القدامى ونفتح صندوق الماضي، أراهم يتحسرون على أيامنا في المدرسة والجامعة، مع أنني وهم نعرف تماما أنها كانت عبارة عن أزمات مالية، وصدامات مع الأهل، ومشاكل دراسية، وشجارات مع المدرسين لا تنتهي، وصفعات عاطفية محرقة، ومع ذلك أُفاجأ بإصرارهم على تذكرها والتحسر عليها، علمًا أنني سجدتُ شكرًا لله أن نجاني منها إلى ما أنا فيه اليوم من أيام أقل توحشا على الأقل على الصعيد الفردي، وقِس على ذلك ذكريات باقي الناس عن خدمتهم العسكرية الإجبارية في جيش النظام، وما قاسوه هناك من إذلال وتعذيب وإهانات‘ ثم إصرارهم على استرجاع تلك الأيام بغلاف من  التلذذ العجيب والحسرة على ما فات!

أظن أن طول عهد القمع السياسي الذي عاشته الشعوب العربية لم يترك فقط آثارا سلبية على اقتصادها وتقدمها، بل الأخطر أنه ترك ندبات محفورة بروحها ووجدانها أوجدت لها ما يشبه التشوه النفسي، واضطراب التمييز بين الجيد والقبيح، لا أرى غير ذلك تفسيرًا لمصطلح إرادة النكد الذي أطلقه الراحل المبدع أحمد خالد توفيق.


جاد الحق


16‏/02‏/2019

أرجوكم.... رفقا بالجيل المحترق!




هل ولدت بين عامي 1985 , 1993؟ إذاً مرحباً بك في الجيل المحترق..

لا بد أنك قضيت ردحاً من طفولتك بين صور الزعماء المعتّقين في الطغيان، حافظ الأسد وحسني مبارك، والقذافي، وغيرهم، وصرفت وقتاً غير قليل على برامج التلفاز التي كانت تبثها محطات حكومتك، قبل أن تنعم بميزة الطبق اللاقط أو ما يعرف بالدش والستلايت.

عاصرت الجزيرة في بداياتها، وعايشت أحداث الانتفاضة، والحادي عشر من أيلول، ثم غزو أفغانستان فالعراق، أتوقع أنك خرجت في مظاهرات لدعم الانتفاضة، وضد الغزوين.

وقتها كان في الطغاة السابقين بقيّة من حياء يمنعهم من التطبيع الوقح مع الكيان الصهيوني، ويردعهم عن الانبطاح أمام إرادة أمريكا انبطاحاً يُقصد به بالدرجة الأولى استفزاز الشعوب وقهرها.

ومع تعرفك على عالم الإنترنت المليء بالمدونات، والمشحون بطفرة مواقع التواصل، وتقضيتك ساعات أطول على تلفاز الجزيرة، وذهاب عدد من معارفك للجهاد في العراق وغيرها، فقد بلغ حملك الفكري أتمه، وصار جنين الثورة جاهزاً للخروج إلى الدنيا.

ثم أتى الربيع العربي مترافقاً مع ربيع عمرك، خرجت للساحات والشوارع وصنعت ما كان يعتبره والداك المستحيل جداً، صنعت الثورة، وطالبت بالتغيير، وأسقط جيلك أصناماً ماتت أجيال وهي تعبدها وتقدسها، فصرت كأنك إبراهيم جديد يحطم بفأسه حجرية عقول قومه وأصنامهم، حتى إذا رأوا صنيعك قالوا لك ولجيلك: حرّقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين.

تجمعت ضباع الثورات المضادة، وشدت أزرها بثعابين الشرق والغرب، لتفترس جميعاً الجسم الغضَّ الفتي للغد المشرق الذي أحرقت نفسك أملاً أن تصنعه لأمتك، وما تزال إلى اليوم تصارع وتصارع نهشات الضباع، ولدغات الأفاعي، في معركة غير متكافئة، ستحسمها إن شاء الله بنصر مؤزر.

هذه هي باختصار شديد قصة الجيل المحترق، الجيل الذي علّم الناس في الثورات ما الجود، الجيل الذي يدفع ولايزال ضريبة خوف الأجيال التي سبقته، يدفعها من حياته، وشبابه، وعافيته، والأهم من أحلامه التي هدم قصورها بيديه يوم باع نفسه التي لا يملك غيرها لتحرير أمته، وصلي بها نار العدو عسى أن يطفئها برماده المنثور.

لذلك إن رأيتم ناجياً من أبطال هذا الجيل الذين إلى الآن لمّا تأكلهم بعد حرب التحرير فأرجوكم ترفّقوا به، فهو إن بدا متماسكاً صلباً فتياً إلا أنه يخفي تحت هذه القشرة الصلبة روحاً رقيقة هشة مليئة بالندوب.

فكم من مشروع له تحطم! وكم من حبيب له ضاع منه! وكم من صديق له فارقه! وكم من بيت بناه على أمل أن يجد به ما يجد الإنسان العادي في أي بيت صار أمامه هشيما تذروه الريح! ومع ذلك لايزال صابرا محتسبا، مبتسما رغم المصائب، صامدا في وجه العواصف التي بددت رفاقه بين بحار اللجوء غير المشروع، وخيمات النزوح، وقهر الطغاة ومخابراتهم.

عزاء المحترقين أنهم احترقوا لقضيتهم، ولم يحترقوا بالخطأ، أو لقضية غيرهم، وحين تحصل الأحداث العظام لن يسجل التاريخ من عاش وتزوج وأنجب ودرس في الجامعة وتخرج، فهذه أمور مكررة مملة، بل سيسجل الاستثناء ممَّن صنعوا الحدث وقاوموا وماتوا على الطريق، أو وصلوا إلى آخره، فاختر لنفسك أحد الفريقين.


جاد الحق


دليلك لتكون مربيا فاشلا....



التربية ميدان معقد شائك، وبالطبع لست من فرسانه، إلا إني أمتلك من الشجاعة الأدبية ما يجعلني أكتب عن بعض جوانبه السلبية التي شاهدتها في حياتي الاجتماعية ما يصلح ليكون دليلا للمربي الفاشل.

أحمد كان شابا متخلقا هادئا، شديد البر بوالديه، وكأي شاب كان يحب كل ما هو جديد، ويريد عيش عصره بتفاصيله، وهنا تبدء المشاكل بتصادم نظرة الابن التجديدية، مع نظرة الوالدين التقليدية، وليضمن الوالدان كسبهما المعركة يشهران ضد أحمد السلاح الخطير، وهو “ يا بتعمل كذا يا منغضب عليك!!”.

استخدام هذا الإرهاب الفكري من والدي أحمد ضده لكسر شخصيته وتنميطها بالطابع التقليدي الذي يريده الوالدان جعل الغلّ يزداد في صدره، خاصة لو عرفنا أن صراعه مع والديه هو على أمور شكلية ضخماها كقصة الشعر ونمط اللباس، ومع استمرار تراكم القهر في نفس أحمد، وصلت الأمور إلى نقطة الانفجار.

أتى التهديد بالغضب ليعقبه تهكم أحمد، فصدمة الوالدين من ردة فعله الباردة، يقابلها مزيد من التهكم من أحمد، فانفعال الوالدين والدعاء عليه بالغضب..... وهنا وقع المحظور، وانكسر الحاجز عند أحمد وتفلّت من القيود التربوية والدينية التي كانت تضبطه!!!

ترك أحمد والديه وهاجر، وهو الآن يعيش بعيدا عنهما قاطعا الاتصال بهما.

هل أحمد عاق، أم أن ابتزاز والديه له بما لمساه من بره بهما هو السبب؟

هناك أبواب من الأفضل تركها مقفولة، وليس من الحكمة الاقتراب منها فضلا عن العبث بأقفالها الهشّة، لأنها إن كسرت أقفالها وفتحت فلن تغلق بعدها.

جاء رجل لعبد الله بن المبارك يشكو إليه عقوق ولده، فسأله ابن المبارك: أدعوت عليه؟ قال نعم، قال اذهب فقد أفسدته.

بعيدا عن قصة أحمد دعني أسألك سؤالا، ألا تعجب مثلي من تعلق الشعوب العربية بجلاديها وطغاتها، إضافة لكثرة المستبدين الذين تحولهم أي سلطة وهمية لوحوش كاسرة تفتك بمن حولها بعد أن كانوا حملانا وديعة؟

من أسباب هذا الخلل الاجتماعي هو مفهوم خاطئ يغرس في عقولنا منذ الطفولة.

أنت وأخوك طفلان صغيران تلعبان معا، أخوك أكبر منك، يقوم بضربك، أو يكسر لك لعبة تحبها، ترد أنت عليه بفطرتك الطفولية بضربه، وتتشاجران معا، يأتي والدك ويسمع القصة، فيوبخك أنت لأنك مددت يدك على أخيك الاكبر منك!.

وجهة نظر والدك أنك المخطئ لأن الكبير يبقى كبيرا، وإن ظلمك وتعدى عليك فليس من حقك أن تواجهه وتردعه، وبهذا الأسلوب التربوي العظيم ينتج لدينا مصيبتان، الأولى شخصية استبدادية أنانية متسلطة، والثانية شخصية ضعيفة مهزوزة مسحوقة، وبين هاتين الشخصيتين تتوزع غالبية المجتمع.

إنها عقدة الأخ الأكبر الذي من حقه أن يظلم ويقهر ويطغى، ويجب علينا كونه الأخ الأكبر أن نسمع ونطيع ونطأطئ ونصمت، ولذلك رمّز الكاتب جورج أورويل في روايته الشهيرة 1984 للسلطة المستبدة الغاشمة بالأخ الأكبر.

قد تتفق معي فيما ذكرته، أو قد تختلف، لكن النتيجة أن الأساليب التربوية البالية التي سقت لك مثالين منها رأينا إسقاطاتها على أرض الواقع من الخراب المجتمعي الكبير، أفلا يستحق ذلك منا إعادة نظر وتقييم!؟

جاد الحق