10‏/03‏/2018

ثورتنا والحلفاء، تقاطع مصالح أم وصاية وانتداب؟

الكلام عن علاقة الدول الداعمة للثورة يكاد يكون أكثر ملف شائك فيها، مما يدفع الكثيرين للإعراض عنه، لأن تحقيق حالة التوازن في معالجة هذه القضية من الصعوبة بمكان.

فإما أن تلبس النظارة السوداء وتتكلم عما يقولون إنه دور تركيا وقطر في أسلمة الثورة، وتسهيل دخول المقاتلين الأجانب، وتسليم المناطق والأسرى والجثث للنظام في اتفاقيات مشبوهة، والدعم المسيس الذي فرق الفصائل، أو تلبس النظارة البيضاء لتصف ما يسمونه الأيادي البيضاء لتركيا وقطر، وكيف احتضنتا الثورة يوم تخلى العالم كله عنها، وكيف قدمتا وما تزالان تقدمان كافة أشكال الدعم لها، رغم ما تعرضتا له من مشاكل وتضييق بسبب موقفهما منها.

أما الواقع فبين هذا وذاك، إذ قلَّ ما يكون الواقع السياسي أبيض أو أسود، بل هو غالبا تدرجات الرمادي.

فقطر وتركيا ليستا عدوتان تتآمران على الثورة لإسقاطها، وفي الوقت نفسه ليستا ملاكان طاهران بريئان يريدان نصر الثورة بأي ثمن، بل هما دولتان شقيقتان تقاطعت مصلحتهما الإستراتيجية مع مصلحة الثورة، لكنهما بالطبع لن يغلّبا مصلحة الثورة على مصلحتهما خاصة في ظل بحر الفشل والفوضى والاحتراب الداخلي الذي نسبح به.

لو ناقشنا مثلا الدور التركي بشيء من الواقعية والمنطق، وذلك نظرا لحضوره الأبرز في الثورة، ولاشتراك الأمن القومي التركي، مع الأمن الثوري بمفاصل خطيرة، وأخذنا منطقة ريف حلب الشمالي ميدانا للدراسة لوجدنا التالي:

– فشل الثوار في وضع حدٍّ لنفوذ داعش المتنامي، أو التنبؤ بالخطر القادم من الـ pkk، والناتجان عن الشرذمة والفصائلية، وتولية الأمور لقيادات غير مؤهلة لا تملك الحد الأدنى من أي شيء سيما النظرة الإستراتيجية، أوصلنا لحاجتنا إلى شريك عسكري يدخل معنا على الأرض بشكل مباشر، وفرق بين أن يدخل الشريك ليجدك كتلة صلبة متماسكة تتحرك بتناسق فيعاملك كشريك حقيقي، وبين أن يدخل فيجدك مجموعة من العصابات المشتتة المتقاتلة فيعاملك كتابع أو مرتزق.

– حاولت تركيا أن تدخل كشريك لنا، وهذا تنازل منها تشكر عليه، لكن الانفلات والفوضى التي وضعنا أنفسنا بها جعلت تركيا تعاملنا بما اخترناه لأنفسنا، ألا وهو الوصي على مجموعات مسلحة متشرذمة، تتلقى قياداتها الأوامر بجهاز التحكم من المخابرات التركية، وأقصى طموح لهذه القيادات أن ترضى عنها تركيا وتضع أسماءها على المعبر، حتى لو كلف الأمر هذه القيادات أن تضحي بكل الثورة.

– ليست المصيبة في السياسات التركية في سورية، خاصة بريف حلب الشمالي، بل المصيبة الحقيقية هي بالمنتفعين من أصحاب التربية البعثية الذين شبوا على مبادئها وأولها تمسيح الجوخ، فهؤلاء بسبب نفاقهم، تراهم حريصين على مصلحة تركيا أكثر من تركيا نفسها، يعني السوري المتثورن والمنتفع يزاود على الأتراك في تحقيق مصلحة تركيا أكثر من الأتراك أنفسهم!

ومثال على ذلك فصائل يفترض أنها ثورية سورية، كانت ترفع العلم التركي على حواجزها ومقراتها، حتى خرجت عليها عدة شكاوى للجانب التركي، الذي قام مشكورا بإيقاف هذا التصرف المداهن.

أنا على يقين أن تركيا لم تطلب منها ذلك، بل ما فعله هذا الفصيل إحراج لتركيا وتشويه لدورها، لكن من قام بذلك هو قائد منافق يتزلف بعمله هذا المخابرات التركية ويتقرب لهم.

مثال آخر رئيس مجلس محلي يمانع ويقاوم كل مشروع إغاثي أو ثقافي أو اجتماعي في مدينته أو بلدته خوفا من أن يكون في هذا المشروع ما يخدش أي شيىء يتعلق بتركيا وسياستها، وما علم أن نفاقه وانبطاحه لتركيا هو أكثر ما يسيء لها ولدورها قبل أن يسيء له هو شخصيا.

طبعا هذه الأنماط المرضية ظهرت بسبب ضعف الانتماء للثورة، أغلبهم لا يملك تاريخ ثوري، وغياب الهوية الذاتية، فهذه العينات ترى نفسها بمكانة أقل بكثير من الأتراك، وبالتالي تنشأ لديها ما يسميه المفكر مالك بن نبي القابلية للاستعمار، فهو جاهز لأن يكون عبدا لأي شخص يملك مقوما من مقومات استعباده، عبّر عن ذلك صاحب العقل العظيم ابن خلدون في مقدمته الشهيرة بقوله: (والمغلوب مولع دائما بتقليد الغالب).

الجوانب التي ذكرناها مؤشرات خطورة تنذر بكوارث مستقبلية، فلنفرض مثلا، ونتيجة للضغوط العالمية على تركيا، أو نتيجة انقلاب عسكري يطيح بحكومة العدالة والتنمية، وصلت القيادة التركية لتسوية سياسية مع النظام السوري، ماذا سيكون مصير الثورة التي أصبحت زمامها بيد قيادات تسبح بحمد تركيا بكرة وعشيا، فقط لتضع اسمها على المعبر، أو تقبض منها حفنة من المال؟!

لا شك أننا سنرى س أو ع من القيادات الثورية سيخرج علينا بخطابات تخدير تدور بفلك الحفاظ على الوطن، ووحدة التراب السوري، والفسيفساء السورية، ويكفينا دمارا وقتلا، ولن نستطيع الصمود أكثر في وجه القوى الدولية، والصلح خير، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، سلام الشجعان، لا غالب ولا مغلوب، الحل السياسي، مبادرة فلان، اتفاق علان، إلى آخر هذه الشعارات والأسماء التي ما إن تسمعها تتداول في قضايا ثورات الشعوب، حتى تكبر على


الكلام عن علاقة الدول الداعمة للثورة يكاد يكون أكثر ملف شائك فيها، مما يدفع الكثيرين للإعراض عنه، لأن تحقيق حالة التوازن في معالجة هذه القضية من الصعوبة بمكان.

فإما أن تلبس النظارة السوداء وتتكلم عما يقولون إنه دور تركيا وقطر في أسلمة الثورة، وتسهيل دخول المقاتلين الأجانب، وتسليم المناطق والأسرى والجثث للنظام في اتفاقيات مشبوهة، والدعم المسيس الذي فرق الفصائل، أو تلبس النظارة البيضاء لتصف ما يسمونه الأيادي البيضاء لتركيا وقطر، وكيف احتضنتا الثورة يوم تخلى العالم كله عنها، وكيف قدمتا وما تزالان تقدمان كافة أشكال الدعم لها، رغم ما تعرضتا له من مشاكل وتضييق بسبب موقفهما منها.

أما الواقع فبين هذا وذاك، إذ قلَّ ما يكون الواقع السياسي أبيض أو أسود، بل هو غالبا تدرجات الرمادي.

فقطر وتركيا ليستا عدوتان تتآمران على الثورة لإسقاطها، وفي الوقت نفسه ليستا ملاكان طاهران بريئان يريدان نصر الثورة بأي ثمن، بل هما دولتان شقيقتان تقاطعت مصلحتهما الإستراتيجية مع مصلحة الثورة، لكنهما بالطبع لن يغلّبا مصلحة الثورة على مصلحتهما خاصة في ظل بحر الفشل والفوضى والاحتراب الداخلي الذي نسبح به.

لو ناقشنا مثلا الدور التركي بشيء من الواقعية والمنطق، وذلك نظرا لحضوره الأبرز في الثورة، ولاشتراك الأمن القومي التركي، مع الأمن الثوري بمفاصل خطيرة، وأخذنا منطقة ريف حلب الشمالي ميدانا للدراسة لوجدنا التالي:

– فشل الثوار في وضع حدٍّ لنفوذ داعش المتنامي، أو التنبؤ بالخطر القادم من الـ pkk، والناتجان عن الشرذمة والفصائلية، وتولية الأمور لقيادات غير مؤهلة لا تملك الحد الأدنى من أي شيء سيما النظرة الإستراتيجية، أوصلنا لحاجتنا إلى شريك عسكري يدخل معنا على الأرض بشكل مباشر، وفرق بين أن يدخل الشريك ليجدك كتلة صلبة متماسكة تتحرك بتناسق فيعاملك كشريك حقيقي، وبين أن يدخل فيجدك مجموعة من العصابات المشتتة المتقاتلة فيعاملك كتابع أو مرتزق.

– حاولت تركيا أن تدخل كشريك لنا، وهذا تنازل منها تشكر عليه، لكن الانفلات والفوضى التي وضعنا أنفسنا بها جعلت تركيا تعاملنا بما اخترناه لأنفسنا، ألا وهو الوصي على مجموعات مسلحة متشرذمة، تتلقى قياداتها الأوامر بجهاز التحكم من المخابرات التركية، وأقصى طموح لهذه القيادات أن ترضى عنها تركيا وتضع أسماءها على المعبر، حتى لو كلف الأمر هذه القيادات أن تضحي بكل الثورة.

– ليست المصيبة في السياسات التركية في سورية، خاصة بريف حلب الشمالي، بل المصيبة الحقيقية هي بالمنتفعين من أصحاب التربية البعثية الذين شبوا على مبادئها وأولها تمسيح الجوخ، فهؤلاء بسبب نفاقهم، تراهم حريصين على مصلحة تركيا أكثر من تركيا نفسها، يعني السوري المتثورن والمنتفع يزاود على الأتراك في تحقيق مصلحة تركيا أكثر من الأتراك أنفسهم!

ومثال على ذلك فصائل يفترض أنها ثورية سورية، كانت ترفع العلم التركي على حواجزها ومقراتها، حتى خرجت عليها عدة شكاوى للجانب التركي، الذي قام مشكورا بإيقاف هذا التصرف المداهن.

أنا على يقين أن تركيا لم تطلب منها ذلك، بل ما فعله هذا الفصيل إحراج لتركيا وتشويه لدورها، لكن من قام بذلك هو قائد منافق يتزلف بعمله هذا المخابرات التركية ويتقرب لهم.

مثال آخر رئيس مجلس محلي يمانع ويقاوم كل مشروع إغاثي أو ثقافي أو اجتماعي في مدينته أو بلدته خوفا من أن يكون في هذا المشروع ما يخدش أي شيىء يتعلق بتركيا وسياستها، وما علم أن نفاقه وانبطاحه لتركيا هو أكثر ما يسيء لها ولدورها قبل أن يسيء له هو شخصيا.

طبعا هذه الأنماط المرضية ظهرت بسبب ضعف الانتماء للثورة، أغلبهم لا يملك تاريخ ثوري، وغياب الهوية الذاتية، فهذه العينات ترى نفسها بمكانة أقل بكثير من الأتراك، وبالتالي تنشأ لديها ما يسميه المفكر مالك بن نبي القابلية للاستعمار، فهو جاهز لأن يكون عبدا لأي شخص يملك مقوما من مقومات استعباده، عبّر عن ذلك صاحب العقل العظيم ابن خلدون في مقدمته الشهيرة بقوله: (والمغلوب مولع دائما بتقليد الغالب).

الجوانب التي ذكرناها مؤشرات خطورة تنذر بكوارث مستقبلية، فلنفرض مثلا، ونتيجة للضغوط العالمية على تركيا، أو نتيجة انقلاب عسكري يطيح بحكومة العدالة والتنمية، وصلت القيادة التركية لتسوية سياسية مع النظام السوري، ماذا سيكون مصير الثورة التي أصبحت زمامها بيد قيادات تسبح بحمد تركيا بكرة وعشيا، فقط لتضع اسمها على المعبر، أو تقبض منها حفنة من المال؟!

لا شك أننا سنرى س أو ع من القيادات الثورية سيخرج علينا بخطابات تخدير تدور بفلك الحفاظ على الوطن، ووحدة التراب السوري، والفسيفساء السورية، ويكفينا دمارا وقتلا، ولن نستطيع الصمود أكثر في وجه القوى الدولية، والصلح خير، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها، سلام الشجعان، لا غالب ولا مغلوب، الحل السياسي، مبادرة فلان، اتفاق علان، إلى آخر هذه الشعارات والأسماء التي ما إن تسمعها تتداول في قضايا ثورات الشعوب، حتى تكبر على حقوق الشعب وطموحاته أربعا.

اليوم الغوطة تتعرض لإبادة، فهل سنرى قادات الثورة في ريف حلب الشمالي قد فتحوا جبهة النظام في تادف للتخفيف عن الغوطة، خاصة بعد التذمر الشعبي المتزايد حول هذه النقطة، حيث عبر عنها نبض الشارع بمظاهرة عفوية غاضبة كان المهجرون من تادف رأس حربة فيها، وسارت هذه المظاهرة حتى اخترقت خطوط الجبهة الوادعة، ووصلت إلى نقاط النظام السوري الذي رد عليها بالرصاص!

أنا شخصيا لا أتوقع أن تُفتَح جبهة تادف، لأن القيادات في ريف حلب الشمالي لبسوا النظارة التركية وصاروا يرون الأحداث من خلالها، واليوم المعركة الأهم بالنسبة إليهم هي غصن الزيتون، طبعا لا ننكر بحال أن معركة غصن الزيتون مهمة جدا للثورة، وأننا بحاجة ماسة إليها، لكن عداوتنا مع الـ pkk ليست أصلية كعدواة تركيا، عداؤنا الأصلي للنظام السوري المجرم.

وبمناسبة الحديث عن غصن الزيتون أحبُّ أن أنوه لخطورة التجاوزات التي تقوم بها بعض المجموعات المسلحة المحسوبة زورا على الجيش الحر، ضد أهلنا المدنيين في عفرين، فتحت تهمة الانتماء للـ pkk تتم سرقة أموال المدنيين، واغتصاب بيوتهم وأملاكهم، دون وازع من دين أو ضمير، وبغياب تام للملاحقة والمحاسبة، وترك الحبل لهذه المجموعات على غاربه يهدد العلاقة الأخوية بين الأشقاء، ويعود بما لا تحمد عقباه على مصلحة الثورة السورية وتركيا على السواء.

لسنا ضد تركيا، ولا ننكر جميلها على الشعب السوري، لكننا ضد المنتفعين من المحسوبين على الثورة الذين يزاودون على الأتراك أنفسهم بما يخص مصلحة تركيا، ولعل قائل يقول: لِمَ لم نتكلم عن الأدوار المشبوهة لباقي الدول في الملف السوري التي هي واضحة وضوح شمس الظهيرة؟ فنقول له: لأن هذه الدول هي أساسا حليف للنظام السوري ضد الثورة، ولا تربطنا بها شراكة إستراتيجية كالشقيقة تركيا.

الثوة السورية ولَّدت آلاف الأبطال، لكنها إلى اليوم لمَّا تلد بعد قائدا حقيقا يجمع أولئك الأبطال، قائدا يمتلك شجاعة الإقدام، مع ثبات الصمود، قائدا صاحب قرار حاسم يهتبل الفرص التي تمر بسرعة البرق، وينتزع قرار الثورة من الحلفاء والخصوم على السواء، ويضرب بيد من حديد كل من يهدد مصلحة الثوة من خارجها أو داخلها، ويرسم للثورة برؤيته إستراتيجية وطريق آمن لنصرها.

جاد الحق


03‏/03‏/2018

استحمار الشعوب


في مطلع السبعينات من القرن الماضي، أعطى المفكر االإيراني الراحل علي شريعتي، محاضرة في طهران بعنوان النباهة و الاستحمار، و التي تحولت لاحقا لكتاب.

في هذه المحاضرة يشرح علي شريعتي بعض الأساليب، التي تنتهجها الدول الرأسمالية _و في طليعتها الولايات المتحدة الأميركية_ و التي تؤدي لتحويل الشعوب من نماذج إنسانية منوعة، وراقية، ومبدعة ذات إرادة حرة، تستطيع تقرير مصيرها، واختيار طريقها، إلى نموذج استهلاكي موحد، وضيع وخامل، لا ينتج ولا يقرر، بل يعيش على فتات إنجاز غيره، و ينتظر من يسيره في الطريق المختار له سلفا.

و لعل الشعوب الإسلامية من أبرز الأمثلة على الاستحمار و التدجين، فمجرد أن تعرف أن المسلمين استطاعوا في ماضيهم، و لأكثر من مرة، تكوين دولة قوية واحدة تجمعهم و توجههم، وتسلم لهذه الدولة باقي دول العالم وتذعن لها، مجرد أن تعرف ذلك ثم تنظر لواقع المسلمين اليوم، فإنك على الأغلب ستتسائل عن سر هذا التحول المخيف، والسريع بآن معا!؟

السر باختصار هو إعادة توليف القيم، فقد قام أعداؤنا ببساطة بعملية برمجة لمفاهيمنا الدينية والاجتماعية، ووضعوا لنا مفاهيم جديدة، حذفوا المفاهيم الإيجابية التي تعتبر دوافع واستبدلوها بأخرى سلبية، و سنستعرض بعض المفاهيم الإيجابية المحذوفة من وعينا الجمعي، سنتفاجىء بأننا نعرفها بل و نحفظها إلا أنها لا تثير في أنفس أغلبنا أي تحريك أو استجابة، إليك عزيزي القارئ:

_) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 41 ) التوبة.

_) وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) آل عمران.

_) " إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر [ حديث شريف ] ".

_) حبُ السلامةِ يثني عزمَ صاحبهِ *** عن المعالي ويغري المرءَ بالكسلِ.

_) وإذا كانتِ النفوسُ كبارا *** تعبت في مرادها الأجسامُ.

_) إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ *** فلا تقنع بما دونَ النجومِ
فطعمُ الموتِ في أمرٍ صغيرٍ *** كطعمِ الموتِ في أمرٍ عظيمِ

_) يرى الجبناءُ أنَّ العجزَ عقلٌ *** وتلكَ خديعةُ الطبعِ اللئيمِ
وكلُّ شجاعةٍ في المرءِ تغني *** ولا مثلَ الشجاعةِ في الحكيمِ

_) إذا ما الملكُ سامَ الناسَ خسفاً *** أبينا أن نقرَّ الذلَّ فينا
بِشُبَّـانٍ يَرَوْنَ القَـتْلَ مَجْـداً *** وَشِيْـبٍ فِي الحُرُوْبِ مُجَرَّبِيْنَـا

_) " يفوز باللذة كل مغامر "، " من لم يركب الأهوال، لم ينل الآمال "،  " لا تنقاد الآمال إلا لصابر "، " لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا "، " انصب، فإن لذيذ العيش في النصب ".

هذه المفاهيم الإيجابية، التي كانت مغروسة فينا و نربى عليها تم استبدالها بالمفاهيم السلبية التي تدعو للخنوع والذل و الاستكانة، وإليك المفاهيم الجديدة:

_)  " امشي الحيط الحيط و قول يا رب السترة ".

_) " يلي بتجوز أمي بقله عمي ".

_) " فخار يكسر بعضه ".

_) " الحيطان إلها أدنين ".

_) " ألف كلمة جبان و لا كلمة الله يرحمه ".

_) " الهريبة تلتين المراجل ".

_) " اربوط الجحش محل ما بقلك صاحبه ".

بعد المقارنة بين المفاهيم القديمة و الجديدة، ستعرف لماذا مسخت القدوات من أسامة بن زيد، لجستن بيبر، ومن محمد الفاتح لتامر حسني، ومن خديجة بنت خويلد لفيفي عبده، ومن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه و سلم لنانسي عجرم.

ستعلم لماذا كنا جبالا في الجبال و ربما سرنا على موج البحار بحارا، و اليوم صرنا كغثاء السيل.

إذا لم نوقف تناقل و تطبيق منظومة القيم الاستحمارية، سوف تظل الأجيال القادمة عبارة عن حمير تجر عربة الغرب، إذا لم نربي أبطالا لن يكون لدينا أبطال، وإذا ربينا حميرا سينتج لدينا حمير، معادلة سهلة و بسيطة.

بالأمس كانت الريادة بشتى المجالات طموح الشباب، أما اليوم طموح شبابنا هو زوجة، أطفال، وظيفة، منزل، طموح شباب اليوم لا يختلف عن منجزات أي دابة في حياتها الروتينية، لا تستغرب ذلك فنحن من أنشأنا أطفالا دوابا، كما أنشَأَنا آباؤنا من قبلهم.

و في النهاية أختم بهذه القصة من تاريخنا:

شكَّ الأصمعيُّ في لفظ استخذى ( أي خضع ) ، وأحبَّ أن يستثبت :
أهي مهموزة أم غير مهموزة ، قال :
فقلتُ لأعرابيّ : أتقول استخذيتُ أم استخذأتُ ؟
قال الأعرابي : لا أقولهما .
فقلتُ : ولِمَ؟!
قال : لأنَّ العربَ لا تستخذي ( أي لا تخضع )!.

بقلم #جاد_الحق


24‏/02‏/2018

نعم أنا مع سفك الدماء


لست دراكيولا، ولا داعشي، ولا حتى من هواة أفلام Saw، لكني مسلم ثائر يحاول التفكير بواقعية بعيدا عن ضجيج المشاعر، وصخب الغوغاء.

قد تكون عبارة " سفك الدماء " قاسية وذات وقع ثقيل على الأسماع، لكن لو تفكرنا بها جيدا، ونظرنا إليها بكلتي عينينا لرأينا نصفها المشرق، الذي نصر الله به الدين، وحفظ به حدود الدنيا بين البشر حتى لا تصبح حياتنا فوضى.

لِمَ نتقزز من سفك الدماء بالمطلق إذا كان الله قد وعد من سَفَكَ الدماء في سبيله، وسُفِكَت دماؤه في رضوانه، بالدرجات العلى من الجنة؟
كيف جعل الله ( وهو أرحم الراحمين ) سكب الدماء سبيلا للفوز بأعلى الدرجات؟

لِمَ نظن أن حقن الدماء بالمطلق هو سبيل الرشاد؟ مع أن الشرع والعقل والتاريخ يدلون جميعا على عكس ذلك

ففي الشرع يقول الله { ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب }
تفكر بروعة البيان التي أوصلت عظيم المعاني
في البداية قال الله لكم في القصاص ولم يقل لكم في العفو، ثم أردف رب العزة مبينا ما لنا في القصاص فقال حياة، لم يقل رادع، ولا زاجر، ولا تشفي، ولا عدل، بل قال حياة، حياة لكل المجتمع، وتأتي هذه الحياة لكل المجتمع من ضدها وهو القتل، لكن القتل لمن؟ لمن يستحق القتل بسبب التعدي على حدود الله خاصة الدم الحرام، فكما تجرأ المعتدي على الله وسفك الدم الذي حرم، كان لزاما على الله في الدنيا أن يهدر دمه قصاصا، وأن يكون في القصاص منه حياة لكل المجتمع.

ثم يختم الله الآية بتوضيح أن خطابه لأولي الألباب، أي أصحاب العقول الصحيحة، والفطر السليمة، الذين يعرفون بسوي عقولهم، وصحيح آدميتهم، أن ضبط المجتمعات الإنسانية لا يكون إلا بالعقوبات الرادعة لمن يخرق قوانينها.

بالتفكير العقلي الصحيح نجد أن المجتمعات الإنسانية التي تريد تحصين نفسها بقوانين تنظمها، إن لم تضع عقوبات زاجرة على من سيخرق هذه القوانين، وتعاضدت على تنفيذها فيما بينها دون ممالئة لشريف، أو تحامل على تضعيف، فلا شك أن طغيانها الداخلي بين مكوناتها سيقضي عليها قبل أي عدو خارجي، لذلك نجد أن كثير من التشريعات البشرية القديمة والحديثة أدرجت عقوبة الإعدام لبعض الجرائم الخطيرة، كالقتل أو الخيانة العظمى.

ونأتي للتاريخ أبي العلوم، العجوز الحكيم صاحب اللحية والرأس الأبيضين، ونسأله كيف يكون حفظ الدماء والحقوق وإقامة المجتمعات القوية؟

حدثني العجوز الحكيم بقصة مشرك على عهد النبوة اسمه أبو عزة الجمحي، أسره النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثم منّ عليه على ألا يقاتله، فخرج ناكثا بعهده يوم أحد ليقع بشر أعماله ويؤسر ثانية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذه المرة اتخذ القائد الأعظم صلوات الله عليه قرارا حاسما حازما بقتل هذا المشرك الناكث بالعهد وقال له " لاَ تَمْسَحُ عَلَى عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ تَقُولُ قَدْ خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنَ " لا ننسى أن هذا الفعل الذي يعده الحالمون الواهمون، والمثاليون الخياليون، عملا قاسيا شنيعا، صدر من النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد يدفعهم الجهل والهوى والتعصب لذلتهم وانبطاحهم إنكار هذه الحاثة، وإن أنكروها فهل سينكرون ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببني قريظة؟ أم هل سينكرون أن من أرسله الله رحمة للعالمين أمر بقتل عبد الله بن خطل يوم فتح مكة وكان متعلقا بأستار الكعبة؟

وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم حازما مع من يستحق القصاص، سار خليفته الصديق على نهجه حذو النعل بالنعل، فنجده يوم الردة قد حفظ للإسلام بيضته، وأعلنه صراعا صفريا بين المسلمين تحت سلطان الخلافة وبين من ارتد، لم يفرق بين من ارتد بالكلية، أو منع الزكاة، حتى عاد الإسلام صلبا فتيا بعد وباء الردة، وما سمعنا يومها أن حسان بن ثابت مثلا طرح مبادرة لحقن الدماء، أو عبد الله بن مسعود دعا لتشكيل محكمة شرعية بين المرتدين المجرمين، والمسلمين المؤمنين!!!

وفي العصر الحديث عبرة لمن أراد العبرة، ففي مصر لم يتخذ مرسي قرارا حاسما لمواجهة المنقلبين نتيجة أنه أعار أذنه للمتخاذلين، والمهزومين نفسيا، والمرتعبين ذاتيا، فكانت النتيجة استلام السيسي، وما أدراك ما السيسي!! قتل 4 آلاف شخص في مكان واحد بيوم واحد خلال بضعة ساعات، ووالله لو أن مرسي قتل من السيسي وزبانيته يوم انقلابهم 40 شخصا لتغير التاريخ.

أحبت القوى الدولية أن تعيد الدرس في تركيا بعد ثلاث سنوات، لكن القيادة التركية وعته جيدا، فأصدر أردوغان أوامره بالاشتباك حتى الموت وعدم التسليم للإنقلابيين، وزج بالقطاعات الموالية له في أجهزة الشرطة والجيش والاستخبارات، إضافة للجماهير الشعبية، زج بهم بقوة في المعركة، فكانت النتيجة ساعات قليلة من التوتر، و400 قتيل من الطرفين، ثم النصر لأصحاب الحق، ولو تردد أردوغان بقرار سفك الدماء لمن يستحق، لكانت النتيجة تعرفونها جيدا.....

كل ما سبق غايتنا منه إسقاطه على ثورتنا، فلو تصفحنا كوارثها لرأينا أعظمها ما كان من ترك قتال الخوارج والمفسدين والبغاة، سواء كان ذلك تورعا، أم ضعفا، فالنتيجة سيان وهي دمار الثورة.

ومن يحمل الوزر الأعظم هي تلك الشخصيات المقيتة، التي تشكل المعادل الثوري لجماعة " الله يطفيها بنوره والله يظهر الحق " والتي تصور كل رد لبغي حاصل، أنه اقتتال بين الطرفين، يتساوى فيه الباغي المجرم العميل، مع المجاهد المدافع عن حقه، فأي خير يتمناه الباغي العميل كمساواته مع المظلوم المدافع، وأي شر يخشاه المجاهد الصادق كجعله كالباغي الظالم!!!!

وكما بدأت كلامي أنهيه، نعم أنا مع سفك الدماء ولست مع حقنها، لكنها دماء الخوارج والمفسدين والبغاة، فبسفك دمائهم تحفظ دماء الأبرياء، ويصان حق المستضعفين، فلا تحقن الدماء إلا الدماء، ولا يرد القوة المعتدية إلا صفعة محرقة من كف الحق المدافع......

جاد الحق