للتعاطف قدر محدود، فهو ليس بالأمر اللانهائي، وقد تجبر الظروف الشخص على حصر تعاطفه مع أناس بعينهم دون غيرهم، ويبدو أن هذا مصير السوريين في دولة آل أسد الطائفيين.
لو لم تكن سوريا اليوم سوريا الأسد لكان السوريون من #دير_الزور والحسكة وحلب ودرعا وإدلب والسويداء سارعوا زمرا وأفرادا لتلبية نداءات الاستغاثة في الساحل السوري، الذي أبى أسد إلا أن يصبغه بذات لون طائفيته وحقده، فأنا مثلا من حلب التي كانت حاضرة سورية تزهو على العالم، ثم آلت بدولة آل أسد الطائفية الحاقدة إلى أطلال مدينة، يسكنها أطلال بشر....
فماذا يظن موالو أسد المجرم في عرينه بالساحل الذي صدّر حقدا ودمارا واغتصابا وموتا وتعفيشا من شبيحته الطائفيين لكل السوريين؟
هل تراهم يتوقعون من السوريين في إدلب ودمشق ودرعا والرقة وغيرها من مناطق سورية أحرقوها ليبقى الأسد، هل تراهم يتوقعون منهم التعاطف والفزعة؟!
لسوء حظهم ذاكرتنا حية جدا، بل نعمل على إحيائها وتوقدها ونحن نرى بكل يوم خيام تشردنا، ونظرة الانكسار في عيون حرائرنا اللواتي اغتصبوهن، وقبور شهدائنا تغطي سوريا من أقصاها لأقصاها.
هل تذكرتم أولئك الشهداء الذين ذبحتموهم بسكاكينكم الحاقدة بناء على مذهبهم قبل موقفهم السياسي؟
لقد هتفوا مرة "واحد واحد واحد الشعب السوري واحد"، إلى أن خرجتم من أوكاركم وجحوركم لتعلمونا أن الشعب السوري ألف واحد وليس واحد، وبدا ذاك واضحا من تفاعل "أضحكني" على منشورات حرائقكم، وتعليقات الشماتة عليها!!
ألم تقولوا يوما الأسد أو نحرق البلد؟!
ها قد احترقتم أخيرا، والأسد ظهر بحقيقته كلبا أجربا بعد احتراق فروة الأسد المختبئ تحتها.
رغم أن السرعة من خصائص وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنها اليوم أثبتت أنها بطيئة للغاية، ومتأخرة ستين سنة عن الحدث، فوسم #سوريا_تحترق يجب أن يتصدر "التريندينغ" منذ عام 1963 يوم انقلاب البعث المجرم، مطية الطائفيين الأقلويين، الذين لم يتوقفوا من يومها عن إشعال الحرائق في سوريا لتنتشر لباقي الإقليم.
حرائق في كل شيء، الدين، الاقتصاد، السياسة، التعليم، النهضة، الحرية، وحتى الإنسان!!!!
حرائق ملأت التاريخ سوادا ورمادا، وأتت على الأخضر واليابس بسوريا الحضارة والقيم، ليقوم على تلال رمادها عرش آل الأسد الإبليسي متربعا عليه الصبي بشار ممسكا قيثارة الخراب يغني لسوريا.
صلاة الاستسقاء في المساجد التي صارت بعهد النظام الأقلوي الممانع مواخير للسكر والكفر بالله، ومسارح اغتصاب لحرائر سوريا، وساحات إعدام طائفية، وذلك لطلب المطر من الله غوثا لبيوت أسست على التعفيش، وأموال جمعت من سرقات مدن سوريا وقراها التي يسكنها غالبية السوريين من أعداء الطائفة الموالية لبشار الأسد، أي مهزلة هذه، وأي مضحكٍ مبكٍ ذاك!!!!
صفاقة وقلة أدب يتورع عنها إبليس وفرعون، وأبي جهل.
لكن مع ذلك هناك دعوات لأجلكم، وصلوات لمعاناتكم، إنها دعوات المظلومين عليكم، وصلوات الغضب من الثكالى والمقهورين تلعنكم وتبارك حرائق التشفي والانتقام التي أركبتكم الباصات الخضراء، وهجرتكم من بيوتكم.
هل تظنون أن القادم إليكم أفضل؟
هل تخالون أن المستقبل عندكم سيكون أجمل؟
لا دولة تهتم بكم وهي تشعلكم حطبا في حرائق سوريا منذ ستين عاما، لا رئيس سيزور قراكم المحترقة، لا حملات إغاثة شعبية ستنطلق في سوريا لأجلكم، لا دولة ستهرع طائراتها لتنجدكم، فهي مشغولة فقط بقصفنا من حميميم والتيفور، خزينة دولتكم فارغة على عروشها بعد أن نفدت في استجلاب كل شياطين الشر لقتلنا، حتى صارت تعوض قتيلكم بتيس وساعة حائط وعلبة متة، إلى أن أصبحت حتى التيوس وساعات الحائط وعلب المتة حلما لكم وأنتم تنطحون بقرون حقدكم جلمود ثورتنا....
هل بات آل الأسد ومخلوف وشاليش بالعراء، أم فقط أسر قتلاكم الذين هلكوا في سبيل دنيا عائلات عرش الخراب والدم؟
هل بقي لديكم شباب تطفئ الحرائق، أم هم مشغولون بحرائقهم الخاصة في قبورهم يوم ماتوا وهم يحرقون سوريا ليبقى أسدكم؟
إذا كنتم تريدون إيقاف الحرائق في مناطقكم، فخذوا جذوة من نار، وضعوها في قصور الأسد ومخلوف وشاليش، وانثروا لهيبها في قاعدتي حميميم وطرطوس، وانقلوا شرارها لمعسكرات السيدة زينب، وسفارة ولاية الفقيه، حينها ثقوا تماما أن الحرائق ستنتهي، فقد تكون أساسا من غليون بوتين، أو نرجيلة خامنئي، أو دعوة مخلوف المظلوم!
لا أستطيع إلا أن أتعاطف مع #بانياس المذبوحة بسكين الأقلوي الطائفي علي كيالي، و #اللاذقية المسبية من شبيحة الأسد، و #الحفة المقهورة، و #جبلة القسام المنسي، و #طرطوس المغتصبة، وما تبعهم من أرياف سورية وطنية تحت احتلال أسد الأقلوي الطائفي، أما قرى التعفيش، وبلدات الإجرام، وضياع التشبيح، فهي تحترق بما أشعلته أيادي أهلها الآثمة منذ ستين سنة في سوريا القيم والحضارة، التي أرجو أن يقوم من رمادها سوريا الجديدة، دولة العدل والقانون والقيم، كطائر عنقاء حر أبي عصي على إهلاك المجرمين.
مدونة مقالات معتز ناصر ( جاد الحق ) تهتم بالثورة السورية جمعت فيها مقالاتي التي كتبتها بمختلف المجالات والتي نشرت على العديد من المنصات الإعلامية الثورية السورية على مدار ثلاثة أعوام تقريبا أتمنى أن تنالوا المتعة والفائدة بمطالعة ما كتبته وأنوه أن المقالات غير مرتبة حسب تاريخ النشر.
10/10/2020
#سوريا_تحترق ؟! ، لا جديد هي كذلك منذ ستين سنة!
31/03/2020
داعش الموجة الثانية
داعش الموجة الثانية
رغم التعثر الذي واجهه الربيع العربي بسبب قوى الثورة المضادة، إلا أنها عجزت تماما عن إعادة العجلة للوراء لما قبل سنة 2011 ، حتى بالمبالغ والجهود الضخمة التي بذلتها، ورغم التضحية بكثير من الأقنعة والشخصيات والمؤسسات المستخدَمَة كغطاء تمويه وخداع للشعوب، ومع ذلك كان الجمود الحركي للربيع العربي لا يتناسب مع ما تم بذله من جهود للقضاء عليه من قبل قوى الثورة المضادة، وبنفس الوقت لا ينسحب على حالة الوعي الفكري والإعلامي المستمرة التي تعيشها الشعوب العربية، خاصة الثائرة منها.
لهذا التعثر الحركي أسباب كثيرة، أهمها راكبو موجة الثورات، سواء أشخاص، أو دول، أو تنظيمات، وأبرز ما يميزهم هي حالة الاستعمال المتعدد، قد يكون بنفس النكهة مع زيادة تركيز، أو بنكهة ثانية، وربما معاكسة، لكن تبقى قاعدة القابلية للتدوير نفسها. وبتخصيص الكلام عن الحالة السورية نجد أن التراجع العسكري للثورة، وانحيازها عن مناطق كثيرة، ومصادرة قرارها العسكري لصالح تركيا، أجبرها على تركيز جهودها على مناحي أخرى مهمة، سوى العسكرة التي انصبت كل الجهود والآمال عليها في الفترة السابقة، فصرنا نسمع عن جهود تجميع للسوريين في أحزاب سياسية، ومنظمات مجتمع مدني، ترمم تَرِكَة العسكرة، وتعيد صياغتها بما يضمن رشاد البندقية، خاصة بعد يأس الثوار من استلامهم زمام المبادرة العسكرية من جديد، بسبب تفكيك تنظيم "هتش" لقوى الثورة، وحلّه لعراها الوثيقة في المناطق التي يحتلها، مع زيادة الهمجية الروسية في المواجهة. وفي الوقت الذي كانت الأضواء فيه مسلّطة على ما يحصل بغرب سوريا المنكوب، والمنصات الإعلامية مركزة على مصير اتفاقاته، كانت الأحداث الأخطر تسري بهدوء شرقها....
فالنهاية المفاجئة المزعومة لتنظيم داعش شرق سوريا على يد قسد، واستسلام الآلاف من مقاتليه، بعد إخلاء عشرات الأمراء والأفراد منه بمروحيات التحالف، ثم انحسار من تبقى لبؤر معزولة بالصحراء، وتواتر أنباء بين الحين والآخر عن عمليات لها في بادية سوريا، ثم العبور الغامض لقائده من مناطق قسد، إلى سيطرة الجيش الوطني، فإدلب، ليلقى مصيره على يد الأميركيين كنهاية درامية لمرحلة سابقة، كل تلك الأحداث تدل أن التنظيم في مرحلة إعادة التدوير بانتظار بعث جديد، تماما كحال الوحش في الأفلام الذي يظن المشاهدون أنه قُتِل لنُفاجأ بآخر مشهد أن المخرج تركه حيا، وهناك جزء ثانٍ لبعثه الجديد...
ذكرنا أن الثورة بعد صدمتها العسكرية، ودخول تركيا إلى جانبها على الأرض بشكل مباشر دون رضا إقليمي أو دولي، كانت قد انكفأت على نفسها لإصلاح شأنها الداخلي، ومحاولة ترميم النقص في بنيتها، وتصويب أخطاء مسيرتها، فما الذي يمكن أن يحرق مرحلة المراجعة الذاتية الثورية المهمة هذه سوى إعادة فزاعة داعش من جديد للواجهة؟!
الثورة اليوم بين تطرفين، أسيرة قوى تتناهبها على طرفي نقيض، فأقصى اليمين تنظيمات غلو وتكفير، وأقصى اليسار بعض الفصائل المسيئة المهلهَلَة البنية المتسترة باسم الجيش الحر. وجود كل طرف من الاثنين هو سبب في تغذية وجود الطرف الآخر، فكلاهما تطرف مذموم لا يمثل أخلاق الثورة السورية وأهدافها، وكلاهما يمثل بيئة خصبة لنمو بذرة الدعشنة، لأن التكفيريين عمود الدواعش الفقري لا يخرجون، وتروج أطروحاتهم، إلا على حين فرقة من الناس كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن المسيئين وردة الفعل الناتجة عن أفعالهم، ودعاية قتالهم، أكثر ما يعتمده التنظيم في الترويج لنفسه بين أبناء المحرر.
كل فترة نسمع خروج مقاتلين دواعش من أسر قسد بوساطة عشائرية، ناهيك عمن يهرّب برشاوى باهظة دون أن نسمع عنه، أو من يُيَسرّ له طريق الهروب من السجن إن لم يجد ما يدفعه، حتى بات الدواعش محل حسد على ذاك القدر السعيد في الهروب من السجون، حتى تظنهم جميعا "مايكل سكوفيلد" بالتخطيط للهروب من السجن!!!
أما موضوع سهولة تنقلهم بين المناطق والدول، وعدم كشفهم من استخبارات هذه الدول فحدث ولا حرج، تحسب أن لديهم بساط سليمان، أو طاقية الإخفاء، ولا أدل من ذلك من حادثة مقتل زعيمهم في إدلب، فكيف وصل لها قادما من العراق؟؟!!
أضف لذلك حقيقة أن داعش شركة مخابراتية مساهمة، بمعنى أن لاستخبارات كل دولة رجالا، وأجنحة في هذا التنظيم، لذلك نراه يسير بانتظام في مهمة قتل الشعوب وتدمير حركاتهم التحررية من الداخل، وإعطاء الذريعة الدولية لحرق المناطق السنية وإبادتها، لكن تختلف الأساليب حسب مصلحة كل دولة.
تركيا والثورة وحيدتان في محيط من الأعداء الإقليميين، والدوليين، وليس أفضل من إثارة أفاعي داعش عليهما، خاصة بوجود تنظيمات ترعى فكره وتوفر له البيئة الخصبة للتفريخ، وأخرى تساهم بأخطائها وسلبياتها وسوء تعاطيها مع الأمور بإعطاء المبرر الأخلاقي لأنصار التنظيم، وتوفر بنيتها الهشة غطاء جيدا له للاختراق والاستهداف وإحراز النقاط.
تخيلوا مقدار الدماء والجهود والمقدرات والأوقات التي سنبذلها من جديد في مواجهة داعش!!!
سيكون نزيفا مميتا لمخزون الثورة الهام يستهلك خيرتها من كل شيء، في وقت حساس نحاول به ترميم ما نستطيعه بالداخل، وترشيد علاقتنا بالحلفاء، وإعادة تقديم نفسنا للعالم بما يضمن مصالحنا. النظام السياسي الدولي صنف عدوّان له، يحق لكل الحكومات المشاركة فيه فعل ما تشاء بذريعة مواجهتهما، ألا وهما داعش والكورونا، وإن كانت الكورونا أصابت العالم بالشلل، واقتصاده بالانكماش، فلا شيء ينشّطه أفضل من عودة داعش للملعب....
04/12/2019
من الطائفة القادمة التي ستحكم سوريا؟؟
منذ سقوط الدولة العثمانية، كتب التمزق على بلاد الشام، فصارت دولا بعد أن كانت وحدة مجتمعية واقتصادية وسياسية، وفرض عليها الاحتلال الأوروبي أن تكون تحت هيمنة الأقليات، والتي يوجد لكل منها دول غربية ظهيرة لها ترعاها وتتحالف معها كي تحفظ مصالحها في المنطقة، وتكون ذريعة لتدخلها، فالدروز مثلا تحالفوا مع بريطانيا من حوالي قرنين تقريبا، والكاثوليك والموارنة مع فرنسا، الأرثوذوكس مع روسيا، الشيعة مع إيران، والنصيرية مع فرنسا ثم روسيا، وهكذا...
وظل السنة بلا مرجعية ولا ظهير، حتى انتهى الأمر بسوريا لوصول الطائفة النصيرية ( العلوية ) لسدة الحكم، ليس فقط عن طريق استلام حافظ الأسد للرئاسة، بل عن طريق التغلغل الكبير للطائفة في المؤسسات العسكرية والأمنية والحزبية بشكل يفوق حجمها.
النصيرية _ وهذا اسمهم الحقيقي _ اشتُقَ من اسم مؤسس المذهب محمد بن نصير، أما اسم العلويين فقد أطلقته عليهم فرنسا كنوع من التلطيف والتورية لإعادة دمجهم بالمجتمع السوري بعد أن كانوا هم يرفضون الانتماء له، ويفضلون الانفصال عنه متوسلين فرنسا إقامة كيان طائفي مستقل خاص بهم، لكن سياسي الاستقلال وقتها ارتؤوا احتواءهم لبقاء سوريا الفتية كيان سياسي واحد، وحافظوا لهم على اسمهم الجديد.
النصيريون ثاني أكبر طائفة بسوريا بعد المسلمين السنة ومع ذلك لا يشكلون أكثر من عشرة بالمئة من نسبة السكان، حسب أعلى الإحصائيات.
سنوات الثورة وإن كان المذبوح والمهجر والمشرد والمستباح فيها هم السنة، إلا أن الخاسر الأكبر فيها حقيقة هم النصيريون، وذلك لقدرة السنة على التعويض والعودة لحالة الغالبية لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها، على عكس النصيريين الذين أحرقوا أنفسهم ومستقبل طائفتهم حفاظا على نظام مجرم منبوذ، وحكموا على أنفسهم أن يكونوا شيئا من الماضي بمعاداتهم لكل الشعب من أجل كرسي الأسد، وعقارب الساعة لن تعود للوراء نهائيا، وهم يدركون ذلك تماما ويخافونه لأن لا حل لديهم لهذه المعضلة التي ورطوا أنفسهم بها.
النصيريون تقريبا خسروا حتى اليوم أكثر من مئتي ألف قتيل ( البعض يعطي ضعف هذا الرقم )، عدا المعاقين، وهذه الخسائر هي من الذكور المنتجين المعوّل عليهم في التنمية والاقتصاد وحماية النظام، خاصة لو علمنا أن نسبة كبيرة منهم من كبار ضباط الجيش والمخابرات ( الركيزة الحقيقية لدولة الأسد ) ناهيك عن ازدياد الأمراض المجتمعية بينهم _ كحال جميع الشرائح السورية بسبب الحرب _ كالفقر والجهل والمخدرات والدعارة والخمور مع فارق أن بيئتهم لا تملك التحصين الطبيعي الذي تملكه باقي المجتمعات السورية المحافظة، ويكفي متابعة منصات النظام الإعلامية ليُعلَم وضع الشارع المؤيد، خاصة طائفة النظام.
حتى لو انتهت الثورة الآن لا سمح الله، وعاد النظام، فسيعود بلا أنياب ولا أظافر، مجرد جسد منهك متعب بعد أن خسر مادته الخام وركنه الشديد وسيكون سقوطه المستقبلي أمرا لا مفر منه، ومع كل تمدد احتلالي له يتبين أكثر عجزه، لأن القوة والموارد حين تحصران بمنطقة صغيرة تظهر آثارهما، وتتلاشيان تدريجيا بتوسع المنطقة، إضافة لأن تراجع الليرة السورية يزيد مع كل سيطرة جديدة للنظام على أرض، كون أن الثوار هم من يشترون بالعملة الصعبة الليرة السورية، وبانحسارهم عن أي منطقة، تتراجع الليرة أكثر.
لكن إلى أن يأتي هذا السقوط الحتمي للنظام الطائفي، من هي الطائفة الأكثر حظا التي ستعتمد للحكم كبديل عن النصيريين بعد أن أحرقوا أنفسهم لأجل عرش الأسد؟
باستثناء السنة كونهم ليسوا الخيار الأفضل بالنسبة للدول الغربية كحكام لسوريا، وبالأخذ بعين الاعتبار خصوصية المسيحيين، ونسب الشيعة والإسماعيلية القليلة، نجد أن المرشح الأكبر هم الدروز، فهم يشكلون حوالي 3% من المجتمع السوري، ولديهم عصبية تجمعهم، وتدعمهم بريطانيا من سنوات، ولديهم امتداد في لبنان، والأردن، وفلسطين، وكانوا مهيئين لأن يكون لهم دولة خاصة بهم بالستينات، عبر مخطط رعاه الكيان الصهيوني لكنه لم يتم، وذلك عبر احتلال جنوب غرب سوريا، ثم إنشاء مقاومة درزية تظهر بدور البطل، ثم الانسحاب من المنطقة لصالح كيان سياسي درزي يخدم مصالح الكيان الصهيوني، وما أفسد هذا المخطط هو مخطط أفضل منه عبر استلام حافظ الأسد وطائفته السلطة في سوريا.
في أواخر عام 1966 أطاح الأسد وطائفته بالضباط الدروز، واستأثروا بالحكم، وتم تحييد الدروز كطائفة عن المشهد السياسي السوري، وفي بداية الثورة انخرط عدد من شبابهم وناشطيهم بها بقوة، لكن كان هناك قرار من رجال الدين بتحييد الطائفة، ونشط المجتمع المحلي المدني في السويداء لمساعدة مهجري ومنكوبي سوريا، وتشكلت فصائل محلية مسلحة هي أقرب للثورة منها للنظام، وهدفها حماية المجتمع المحلي، وصارت ملاذا للشبان الفارين من الخدمة العسكرية في جيش الأسد.
اعتبر النظام السويداء منطقة مستعصية عليه، إلا أنه لليوم أجّل المواجهة العسكرية معها، ولا يزال يبذل الجهود الديبلوماسية لاحتوائها، واستطاع عبر أذرعه الاستخباراتية اختراق المنطقة إرهابيا كعملية اغتيال وحيد البلعوس واستخدام الدواعش كورقة تهديد للدروز، وعبر الوساطات الروسية من خلال بعض القيادات المجتمعية الموالية له.
النظام يعرف تماما أن الدروز قنبلة موقوتة، لو تركت دون تفكيك فستنفجر به حتما، فهم بديل مقبول للحكومات الغربية، ولايزالون لمّا يُستَهلكوا بعد في الحرب الدائرة، وامتدادهم على ثلاث دول مجاورة لسوريا مخيف، خاصة أنهم في لبنان يعتبرون خصوما سياسيين لحلفاء النظام، لذلك من المتوقع ألا تأفل شمس النظام قبل أن يوجه لهم ضربة انتقامية تجهض قواهم وتحيدهم عن اللعبة.
من المضحك المبكي أن سنة سوريا هم الطائفة الأكبر حجما، والأكبر مظلومية، لأنها كانت رافعة حضارية تاريخية لكل المنطقة الإسلامية، ومصدر تهديد رئيسي لأي غزو خارجي للإقليم، وتسكن منطقة مهمة جدا جيوسياسيا، لذلك حرمت ولاتزال من أبسط حقوقها الديمقراطية وهي أن تحكم نفسها وبلدها كونها الأغلبية، وصاحبة الدور التاريخي الأكبر، لكن هذه المعادلة تغيرت بالثورة، ولن تجد القوى الإقليمية والدولية بديلا عن القبول بالسنة كحكام لبلد هم الأكثرية فيه، وهذا بعض مما قد يجعلهم المرشح الأوفر حظا لخلافة نظام الأسد الطائفي.
معتز ناصر ( جاد الحق )
27/10/2019
تركيا والثورة وتحالف الضعفاء
من الحكمة في عالم الصراع السياسي معرفة حجمك الحقيقي، وحجم شريكك، ومدى قوتكما في غابة التدافع الدولي الشرس.
ما نعانيه اليوم هو قصور تام في معرفة مدى قوتنا كثورة، ومقدار ما نملك للآن من أوراق رابحة، بمقابل تضخم موهوم في تقديرنا لقوة الشريك التركي وحضوره بين الكبار كروسيا وأميركا، وهذا ما يصعّب حركة الشريك التركي ويثقلها، ناهيك عن مشاكله الداخلية الخاصة والعراقيل التي توضع له بشكل مقصود.
غياب القيادات الواعية في الثورة صاحبة العقلية النفعية العامة، وشجاعة الإقدام، التي تحسن تنظيم الجماهير، واستغلال الكوادر والجهود المبعثرة، ومخاطبة العالم بما يفهمه، مع وضع رؤية تخطيطية شاملة بعيدة المدى هو ما نحتاجه، وهذا أمر ليس صعبا، ولدينا مقوماته، لكننا نفقد الثقة بأنفسنا لكثرة الشدائد والضغوط التي وضعنا بها.
إيهام الناس أن تركيا قوة دولية لها ثقل موازي لأميركا وروسيا تدليس كبير عليهم وإساءة مقصودة لها.
أيضا مقارنة تركيا المسالمة، التي لا تتحرك قبل ضمان الأضواء الخضراء من أميركا وروسيا بإيران العقائدية المشاكسة صاحبة البرنامج النووي، التي لها أذرع عسكرية مخلصة ومدربة في كل محيطها الإقليمي تلعب من خلالها، وتقرصن على الدول في مضيق هرمز وأسواق النفط ليس صائبا.
على تركيا أن تعي أن التقليل من خطورة النظام السوري على داخلها، والإصرار على تحييده واعتباره عدوا ثانويا قصور نظر كبير، لأن النظام السوري يملك أوراق ضغط خطيرة تهدد الأمن القومي التركي داخل تركيا، أكثر مما تملك تركيا داخله، فمثلا النظام السوري نظام طائفي بامتياز، واستطاع استمالة أبناء طائفته في المنطقة من غير السوريين في تركيا ولبنان، وشكل منهم جماعات ضاغطة لمصلحته ضمن مجتمعاتهم، مع عدم تناسينا وجود تيار سياسي تركي معارض لتوجه العدالة والتنمية، تزداد قوته يوما بعد يوم في الداخل التركي، ويرى النظام السوري جزء من حل المشكلة السورية وليس سببا لها، ولا ضير عنده من إعادة العلاقات معه، والنظام يعرف تماما كيف يستثمر به، ولن أتطرق لدور النظام السوري في صنع ودعم حزب ال pkk الخطر الأكبر على الأمن القومي التركي لأن الأمر أصبح مملا لكثرة تكراره.
داخليا علينا أن نحسن نظرتنا لأنفسنا وقد صمدنا ثمان سنوات ونحن شعب أعزل في وجه أعتى الهجمات العسكرية، وأشرس المجازر الوحشية، وكسرنا ثلاث أنظمة منافسة لتركيا ومعادية لها وقطعنا أذرعها الإجرامية بمعارك برية لا يوجد بها غطاء جوي يحمينا فيها، فكيف نظن أننا لسنا أهلا لنكون أصحاب كلمة في مستقبلنا ومصيرنا، وحصرا يجب أن نكون ذنبا لغيرنا؟؟
هذا قمة الإجحاف والمهزلة.
تركيا شريك استراتيجي مهم للثورة، علينا الوقوف معه للنهاية، وأهم خدمة نقدمها لها أن نعي أننا بتسليم أمرنا لغير الأكفاء سياسيا وعسكريا ومدنيا قد صرنا حملا كريها يثقلها، ثم علينا أن نعرف حجمها ومقدار قوتها بين باقي اللاعبين فلا نكلفها فوق طاقتها، ولا نرفع معها سقف توقعاتنا ومطالبنا.
تركيا تحتاج الثورة، كما الثورة تحتاجها بل وربما أكثر، وعلينا وعليها مراجعة تفاصيل الشراكة التي فرضتها التقاء مصالحنا وأمور أخرى، ومحاولة تصحيح صورة التعاون والتنسيق، وذلك لا يتم إلا بتغيير أغلب من اعتمدتهم تركيا في إدارة الملف السوري من سوريين وأتراك، مع الاستفادة من الأخطاء والدروس السابقة، فالاستحقاقات القادمة مثل #منبج و #شرق_الفرات، ليست ك #درع_الفرات و #غصن_الزيتون ، في ظل استمرار تهديدات #إدلب و #عفرين .
علينا أن نتذكر دائما أن ال تنظيم ال pkk الإرهابي عدو ثانوي لنا وللأتراك، بينما عداوتنا الرئيسية هي مع النظام الطائفي المجرم الذي صنعه وأحسن استغلاله، لذلك يجب أن ندخل بقوة بشرق الفرات مع أخذنا ضمانات ملموسة وقوية من الشريك التركي بعدم تكرار خطأ #عفرين وحماية أهلنا المدنيين من التجاوزات، وحماية #إدلب وتحرير أراضينا المغتصبة في #تل_رفعت وماحولها، و #منبج و #تادف لأهمية هذه المناطق بالنسبة للشمال المحرر.
لم يبقَ ورقة ضغط بيد تنظيم ال pkk الإرهابي سوى إطلاق الدواعش الأسرى لديه ليعيثوا فسادا بالمحرر، لذلك علينا من الآن الحذر من ذلك، علما أن الدواعش المحررين سيستغلون روابط العصبيات الجاهلية المناطقية والفصائلية والعشائرية، وضعاف النفوس المرتشين من القيادات، للحصول على غطاء يحميهم ويسهل عملهم.
معركة #نبع_السلام أفضل صيغة تقاطع مصالح لنا مع تركيا، علينا أن نناور بها ونضع كل جهدنا لتحصيل أكبر مكاسب سياسية وعسكرية ممكنة، والمنطقة الشرقية هي أهم منطقة بسوريا جيوسياسيا، لذلك تتنافس عليها الدول لتضع قدما فيها، وعلى #الجيش_الوطني أن يثبت لشعبه ثم للشريك التركي أنه أهل للثقة، وركيزة للاستقرار، فلا يزال كابوس المفسدين والمسيئين ينغّص حلم ثورتنا الوردي.
معتز ناصر ( جاد الحق )